هذا الكتاب
إن منطق الأشياء يؤكد أنّ التّديّن ضرورة لا غنى للإنسان عنها، فهي فطرته التي فُطر عليها وصبغته التي اصطبغ بها، فبالدّين تُصحح العقائد، وبه تُرشد الشّرائع ويُهذب السّلوك وتُنمى الأخلاق، ولأجله اعتبر الدّين الحق ما كان تنزيلاً من ربّ العالمين الذي لا يضل سبحانه وتعالى ولا ينسى.
والدّين بعقائده وشرائعه هو تعاليم تتوزّع ما بين نص قطعي وحكم ثابت لا يقبل النّسخ أجمع عليه وعلم من الدّين بالضّرورة، وآخر متغير خادم ومُكَمِّل له.
إن موقف الجمهور من علماء الأمّة أنّ العلاقة بين مبدأ الثّابت ومبدأ المتغيّر في شريعة الإسلام هي علاقة المُكَمِّل بالمُكَمَّل كما عبّر عنه الإمام الشاطبي، ومع ذلك فقد جنح بعضهم إلى جعلها علاقة تقابل وتضادّ، فكان أن انقسم النّاس في المسألة إلى فريقين كبيرين، فريق مال إلى تعطيل مبدأ التّغيير وآخر نادى بإلغاء مبدأ الثّبات.
فصفة الانتساب إلى الإسلام لفكر يُعْمِل النّظر في أصوله ويتّخذها منطلقات لإنتاج معرفة تجيب عن أسئلة المرحلة وتتصدى لتحدياتها تلزمه التّحرك بثوابت الإسلام ومعها ولأجلها، فشرط الوفاء للأصول والاتفاق معها في المقاصد معتبر في إسلامية هذا الفكر، ومن ثم فقد أصبح المفكر المسلم ومُجتهد الأمّة اليوم مدعوا أكثر من أي وقت مضى إلى تحرير المسألة والتّدقيق فيها، فهو مطالب بإعادة رسم حَدِّ الثّابت والمتغيّر بمنهج واضح وأسلوب دقيق، كما أنّه مطالب بتعيين نُقَطِ الوصل والفصل بينهما تأكيدا لقاعدة: "الشريعة لا اختلاف فيها" ، ومطالب أيضا باكتشاف آليات جديدة في التّعامل مع المنصوص عليه، بما نحفظ به قطعيّة النّص ونصون به ثبوت أحكامه من جهة ونتوسل به في إنجازنا الحضاري من جهة أخرى.
أ.د. علي محيي الدين القره داغي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المســلمين